عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

360

اللباب في علوم الكتاب

اللّه ، أتبعه بقوله : اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لئلا يصير ذلك القول سببا لفتوره عن تبليغ الدّعوة والرّسالة ، والمقصود : تقوية « قلبه » ، وإزالة الحزن الذي حصل بسماع تلك الشّبهة « 1 » . قوله : « ما أوحي » يجوز أن تكون « ما » : اسميّة ، والعائد هو القائم مقام الفاعل ، و « إليك » : فضلة ، وأجازوا أن تكون مصدريّة ، والقائم مقام الفاعل حينئذ : الجار والمجرور ، أي : الإيحاء الجائي من ربّك ، و « من » لابتداء الغاية مجازا ، ف « مِنْ رَبِّكَ » : متعلّق ب « أوحي » . وقيل : بل هو حال من « ما » نفسها . وقيل : بل هو حال من الضّمير المستتر في « أوحي » وهو بمعنى ما قبله . وقوله : « لا إِلهَ إِلَّا هُوَ » جملة معترضة بين هاتين الجملتين الأمريّتين ، هذا هو الأحسن . وجوّز أبو البقاء « 2 » أن تكون حالا من « ربّك » وهي حال مؤكّدة ، تقديره : من ربّك منفردا . قوله : « وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ » أي : لا تجادلهم . وقيل : المراد : ترك المقاتلة ؛ فلذلك قالوا : إنّه منسوخ ، وهذا ضعيف ؛ لأن الأمر بترك المقاتلة في الحال لا يفيد الأمر بتركها دائما ، وإذا كان الأمر كذلك لم يجب التزام النّسخ « 3 » . قوله : « وَلَوْ شاءَ اللَّهُ » : مفعول المشيئة محذوف ، أي : « لو شاء اللّه إيمانهم » وقد تقدّم أنه لا يذكر إلا لغرابته ، والمعنى : لا تلتفت إلى سفاهات هؤلاء الكفّار ، فإنّي لو أردت إزالة الكفر عنهم ، لقدرت ، ولكنّي تركتهم مع كفرهم ، فلا يشتغل قلبك بكلماتهم « 4 » . وتمسّك أهل السّنّة بقوله - تعالى - : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا والمعنى : لو شاء ألّا يشركوا ، ما أشركوا ، وحيث لم يحصل الجزاء ، لم يحصل الشّرط . وقالت المعتزلة : ثبت بالدّليل أنّه - تعالى - أراد من الكلّ الإيمان ، وما شاء من أحد الكفر ، وهذه الآية الكريمة تقتضي : أنّه - تعالى - ما شاء من الكلّ الإيمان ؛ فوجب التّوفيق بين الدّليلين ، فيحمل مشيئة اللّه لإيمانهم ، على مشيئة الإيمان الاختياريّ الموجب للثّواب ، ويحمل عدم مشيئته لإيمانهم ، على الإيمان الحاصل بالقهر والجبر ، يعني : أنه - تبارك وتعالى - ما شاء منهم أن يحملهم على الإيمان على سبيل القهر والإلجاء ؛ لأنّ

--> ( 1 ) ينظر : الرازي 13 / 113 . ( 2 ) ينظر : الإملاء 1 / 257 . ( 3 ) ينظر : الرازي 13 / 113 . ( 4 ) ينظر : الرازي 13 / 113 .